العيني

134

عمدة القاري

الزيادة ، ولفظ : فرضت ، وإن كان على صيغة المجهول ، لكن يدل على أن الله هو الذي فرض ، كما مر صريحا في الأحاديث المذكورة آنفا . وقوله : لأنه لو كان الحديث مجرى على ظاهره لما جاز لعائشة إتمامها ، جوابه في نفس الحديث ، وهو قول عروة : تأولت ما تأول عثمان ، لأن الزهري لما روى هذا الحديث عن عروة عن عائشة ظهر له أن الركعتين هو الفرض في حق المسافر ، لكن أشكل عليه إتمام عائشة من حيث إنها أخبرت بفرضية الركعتين في حق المسافر ، ثم إنها كيف أتمت ؟ فسأل عروة بقوله : ما بال عائشة تتم ؟ فأجاب عروة بقوله : ( تأولت ما تأول عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، وقد ذكرنا الوجوه التي ذكرت في تأول عثمان ، وقد ذكر بعضهم الوجوه المذكورة ، ثم قال : والمنقول في ذلك أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصا بمن كان شاخصا سائرا ، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله ابن الزبير ، قال : لما قدم علينا معاوية حاجا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة ، ثم انصرف إلى دار الندوة ، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا : لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة ، قال : وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة يصلي بها الظهر والعصر والعشاء أربعا أربعاً ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة ، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنىً أتم الصلاة انتهى . قلت : هذا الذي ذكره يؤيد ما ذهبنا إليه من وجوب القصر ، لأنه قال : كان يرى القصر مختصا بمن كان شاخصا سائرا ، وظاهره أنه كان يرى القصر واجبا للمسافر ، وكان يرى حكم المقيم لمن أقام ، ونحن أيضا نرى ذلك ، غير أن المسافر متى يكون مقيما فيه : فيه خلاف قد ذكرناه ، فلا يضرنا هذا الخلاف ، ودعوانا في وجوب القصر في حق المسافر ، ثم إن هذا القائل ادعى أن إسناد حديث أحمد حسن ، ولم يذكر رواته حتى ينظر فيهم ، وقول الكرماني : ثم إنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن . . إلى آخره ، قلنا : لا نسلم ذلك على الوجه الذي ذكرتم ، لأن نفي الجناح في القصر إنما هو في الزيادة على الركعتين ، لأن الصلاة فرضت بمكة : ركعتين ركعتين ، وزيدت عليهما : ركعتان في المدينة ، والآية مدنية نزلت في إباحة القصر للضاربين في الأرض وهم : المسافرون ، فدل على أن إباحة القصر في الزيادة لا في الأصل ، لأن الإجماع منعقد على أن المسافر لا يصلي في سفره أقل من ركعتين إلاّ ما شذ ، قول من قال : إن المسافر يصلي ركعة عند الخوف ، فلا يعتد بهذا القول ، على أنا نقول أيضا : جاء في الحديث المشهور أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بأهل مكة في حجة الوداع ركعتين ، ثم أمر مناديا ينادي : يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر . ولو كان فرض المسافر أربعا لم يحرمهم فضيلة الجماعة معه ، وعند مسلم في رواية : ( صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنىً صلاة المسافر ، وأبو بكر وعمر وعثمان ثماني سنين ، أو قال ست سنين ) . وفي رواية له : ( صلى في السفر ) ، ولم يقل : بمنىً ، وفي رواية له : صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين ، وصحبت عثمان ، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ) . وهكذا لفظ رواية أبي داود . وفي رواية ابن ماجة : ( صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى ) . فإن قلت : روى النسائي من رواية العلاء بن زهير عن عبد الرحمن ابن الأسود ( عن عائشة أنها ، اعتمرت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي : قصرت فأتممت ، وأفطرت فصمت ، قال : أحسنت يا عائشة ، وما عاب علي ) . انتهى . قال البيهقي : وهو إسناد صحيح موصول ، فهذا يدل على أن القصر غير واجب ، إذ لو كان واجبا لأنكر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، على عائشة في إتمامها . قلت : قد اختلف فيه على العلاء بن زهير ، فرواه أبو نعيم عنه هكذا ، ورواه محمد بن يوسف الفريابي عن العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة ، فعلى هذا الإسناد غير موصول . وقال النووي في ( الخلاصة ) : هذه اللفظة مشكلة ، فإن المعروف أنه ، صلى الله عليه وسلم ، لم يعتمر إلاّ أربع عمر ، كلهن في ذي القعدة . فإن قلت : روى البزار من رواية المغيرة بن زياد عن عائشة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، كان يسافر فيتم الصلاة ويقصر ، ورواه الدارقطني ، وقال : هذا إسناد صحيح ، ووافقه البيهقي على صحة إسناده . قلت : كيف يحكم بصحته وقد قال أحمد : المغيرة بن زياد منكر الحديث أحاديثه مناكير ؟ وقال أبو حاتم وأبو زرعة : شيخ لا يحتج بحديثه ؟ وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء ، وعادة البيهقي التصحيح عند الاحتجاج لإمامه والتضعيف عند الاحتجاج لغيره . وقول الكرماني : ثم إن الحديث عام مخصوص بالمغرب والصبح غير سديد ، لأن المراد من قولها : فرضت الصلاة ، هي الصلاة المعهودة